عماد الدين خليل

109

دراسة في السيرة

العجيب وبالهدي الإلهي الذي يمده بنوره ، كان ينتظر نتيجة مساعي أصحابه الجدد ، ويجسّ النبض ويختبر الإمكانات . إنه في المرة الأولى اكتفى بأن يعرض الإسلام وأن يودع الستة الذين أسلموا دون أية بيعة ، وفي المرة الثانية بايعوه على الجانب السلمي - إذا صح التعبير - من برنامج الإسلام « ألا يشركوا باللّه شيئا ، ولا يسرقوا ، ولا يزنوا ، ولا يقتلوا أولادهم ، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ، ولا يعصوه في معروف » « 1 » . وأرسل معهم داعيته الشاب مصعب بن عمير - الذي لم يشأ أن يجازف به في المرة الأولى - أرسله هذه المرة بعد أن استبانت له ملامح المستقبل ، لكي يتولى شؤون الدعوة والتثقيف العقائدي هناك . ومرت أشهر وأشهر ومصعب يعمل في المدينة بهمة لا تعرف كللا ولا فتورا . . يتحرك بالقرآن ، ويحرك أفئدة الناس هناك وعقولهم بالقرآن . . كانت آيات اللّه تملك في بنيتها المعجزة سحر الإقناع ، وكان مصعب يزيدها سحرا في تلاوته إياها وسط حشود الناس التي كانت تجتمع ، مبهورة الأنفاس من حوالي مصعب ، في أزقة المدينة وطرقاتها ، وهو يتلو آيات من القرآن الكريم . . وعندما اقترب موسم الحج من السنة الثانية عشرة للبعثة ، غادر مصعب يثرب ، يطير به الشوق للقاء رسوله وقائده . في مكة اجتمع به وعرض عليه نتائج مساعيه في يثرب ، وأنه عما قريب سيلتقي الرسول بوفد كبير منهم تقرّ له عينه ويطمئن به باله . وعند العقبة أيضا . . اجتمع الرسول صلى اللّه عليه وسلم بأعضاء الوفد الموسّع الجديد . . كان يضمّ هذه المرة ثلاثا وسبعين رجلا وامرأتين . . اتفق معهم سرّا على أن يوافوه في الثلث الثاني من الليل ، حين ينام الناس وتغافل العيون . . يتسللون إليه واحدا واحدا واثنين اثنين . . وتمت البيعة الثانية . . البيعة الكبرى . . هذه المرة صريحة واضحة مكتملة ، على كل جوانب الإسلام ، سلما كان أم قتالا - بعد أن أذن اللّه لرسوله بالقتال - ومدّوا إليه أيديهم مصافحين ، ومقسمين باللّه الواحد الذي آمنوا به ، أنهم سيحمون الرسول صلى اللّه عليه وسلم وينصرونه ، وأنهم سيرفعون السلاح مدافعين بوجه أية قوة في الأرض ، سوداء كانت أم حمراء ، تسعى إلى الفتك به وبدعوته وأصحابه ، وسأله أحدهم : يا رسول اللّه ، إن بيننا وبين الرجال - يعني اليهود -

--> ( 1 ) ابن هشام ص 109 الطبري : تاريخ 2 / 356 .